الجمعة، 30 ديسمبر، 2011

ليس كأي عام .. عام بألف عام

برد.. وثلوج تفترش الأرض .. تمايل المصابيح في الأزقة على انغام أغنية الشتاء الذي لا أحب أن يرحل..
ارتديت معطفي الاسود ... وخرجت إلى أقرب مقهى .. المقهى خاليا ... سوى من مقطوعة موسيقية كعادته في ذلك الوقت من العام

ذات المقهى القابع في أدنى الشارع .. وحدي في ذات الركن.. على ذات الكرسي أجلس .. لاحتسي قهوتي مراقبة المارة .. أحدهم يركض هرباً من المطر .. وذلك يقف لبرهة ملوحاً لأخر .. وأخرى تعانق شاباً يافعاً .. ورابعاً يمشي ببطء ممسكاً بعصا ومظلة..

عام مضى على جلوسي لاول مره في ذلك المقهى .. يمر أمامي شريط متلاحق من الأحداث فلم أعد أنا .. أنا .. ولم تعد اهتمامتي هي ذات الاهتمامات .. فالعالم قد تغير من حولي ..

غضب اجتاح العالم ما بين ثورات عربية وشعوب غاضبة منتفضة .. طواغيت سقطت .. كواراث طبيعية هزت العالم .. مجاعات تعصف بدول عدة .. رحل كثيرون عنا .. زعماء وقادة فكر ومبدعين وأناس أثروا في حياة الكثيرين .. سلبا أوإيجابا.. تصدرت أسماءهم عناوين الأخبار لعقود الطويلة.. عام ليس كأي عام ..حمل الكثير والكثير

كانت البداية و حجر الدومينو الأول في صف الثورات العربية تونس .. وبداية ما بات يعرف بالربيع العربي .. والذي كانت محصلته بنهاية العام سقوط ثلاثة أنظمة ديكتاتورية تونس ومصر وليبيا على الترتيب.. وتوقيع علي عبد الله صالح للتنحي وتسليم سلطاته.. عقوبات على النظام السوري.. كل ذلك بدأ بصفعة قلم من شرطية لمحمد بوعزيزي بائع الخضر المتنقل تدفعه لإشعال النيران في نفسه فتشتعل تونس لنصرة بوعزيزي و تشتعل المنطقة من بعده دفاعاً عن مواطنيها رافعين شعار واحد .. حرية .. عدالة اجتماعية..

و بعدما أبهرت ثورات الربيع العربي العالم.. وأثبت مواطنوها قدرتهم على زلزلة أركان أنظمة عتيدة.. بدأت دعوات لمظاهرات في منطقة "وول ستريت" عاصمة المال الدولية بمدينة نيويورك الأمريكية وظهرت حركة احتلوا وول ستريت .. طالبوا فيها بانتفاض الشعوب ضد الحكومات ورؤوس المال والاقتصاد .. وامتدت تلك الدعوة لتشمل إقامة مظاهرات خارج الولايات المتحدة.. وبالفعل عمَّت المظاهرات قرابة 1500 مدينة في مختلف أنحاء العالم

مرورا بمقتل المطلوب الأول في العالم لأمريكا وقائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن .. ذلك اليوم الذي وصف بـ"اليوم العظيم في تاريخ أمريكا وأن الأرهاب تلقى هزيمة تاريخية، لكن هذه ليست نهاية القاعدة"
وصولاً للزواج الملكي وذلك مع زواج الأمير وليام من كيت ميدلتون الذي تابعه نحو 200 مليون مشاهد عبر شاشات التلفاز .. وتم بث زواج ابن ولي العهد من كيت على الهواء مباشرة في 180 دولة حول العالم.

بعد أن اهتز العالم حرفيا بزلزال كبير ضرب سواحل اليابان الشرقية، فقد تحركت الأرض عن محورها بنحو 16.5 سنتيميتر ما جعل الكرة الأرضية تدور أسرع ليقصر اليوم بمقدار 1.8 مليون من الثانية. هذه التغيرات التاريخية في عمر كوكب الأرض هي جزء يسير مقارنة بحجم الدمار الذي خلفه زلزال بلغت قوته 9 درجة على مقياس ريختر.. في حين ضربت موجة جفاف اجتاحت القرن الإفريقي، والتي وصفت بالأسوأ في المنطقة منذ ستين عاما..

ولازلت لم أجد أجابة على تساؤلي بشأن التوصيف الأدق لعام 2011.. لكنه بالفعل عاما تاريخيا سيثبت أن له تأثيرا واضحا في تاريخ البشرية.. بغض النظر عن أي ثورة أو زلزال أو فضيحة إعلامية أو ولادة الطفل الذي أكمل عدد سكان العالم سبعة مليارات نسمة.. يمكن لأي حدث من هذا القبيل أن يكون أهم قصة تاريخية في هذا العام.



الجمعة، 16 ديسمبر، 2011

حين يتحول الإنسان لمجرد رقم !!




أشعر بألم يعتصرني ..
حين أرى زهرة شباب الاوطان يتساقطون واحد تلو الاخر ..
حين أراهم يتحولون لمجرد أرقام على القنوات الفضائية في خبر عاجل او خبر يمر سريعا على شريط الشاشة ..

كم هو مخزي أن يتحول إنسان .. أن يتحول إنسان إلي مجرد رقم ..
وكم هو مؤلم أن يكون لهذا الرقم أولاد و وزوجه .. أخوه وأخوات ..أم وأب وجيران واصدقاء ومعارف..
له أحلامه وطموحاته وأسراره .. قصص حبه الفاشلة والناجحة .. ثم يصبح فجأة رقما تنطقة المذيعة على عجل ..
أتوقف كثيرا عند شعور .. أم .. ملكومة فقدت فلذتها .. فقدت اهم مشروع استثمار في حياتها .. فقدته للابد.
بسبب رصاصة كانت او عربة طائشة .. بسبب شرطي مختل نفسيا.. وقبل ذلك كله طاغية متجبر..
فعوضا أن يحملها هو في كبرها .. تحمله هي لقبره !!

أشعر بغصة .. ومرارة ..
حينما يرد خبر وفاة شاب في عنفوان شبابه ..ولا يكترث أحد..
فلا يعدو كونه اكثر من معلومة عمن مات ومن بقي حيا..
ويصبح هؤلاء الشهداء.. شخوصاً بلا أسماء ..
شخوصاً هادئة لا مكان لها سوى تقرير عابث على فضائية أو أرضية،.. مع مذيع متأنق..
حين يتحول الشهداء لمجرد ارقام صامتة وكأن الانسانية وحب الحياة لم يعد لها مكان وحل مكانها قسوة وجفوة..
حينما يكون اول سؤال يوجه المذيع كم عدد الضحايا كي يضمن سبق الخبر !!
حينما يكون عدد الضحايا هو مقياس قوة الحدث .. وهل يستحق المتابعة والتغطية ..

أتسال لماذا ليس هناك متسعٌ من الوقت لهم؟ لماذا لا يتحدث أحدٌ عن هؤلاء الشهداء؟، أليس لهم حياة سابقة؟ أصدقاء؟ أحباء؟ أقرباء؟ لماذا نرفض وجودهم كجزءٍ من عالم محسوس كانوا فيه قبل قليل؟ هل يحتاج الأمر إلى حزنٍ عالي الصوت، وصراخ حاد لكي يصبح لهؤلاء الشهداء مكان؟؟